Ads 468x60px

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

تناقضات تعريف الحُكم وأقسامه عند الاصوليين

تناقضات تعريف الحُكم وأقسامه عند الاصوليين







التناقضات في تعريف الحُكم وأقسامه


المرحوم
عالم سبيط النيلي


تناقضات تعريف الحُكم وأقسامه الاصوليين



المسألة ( 11 ) : في لفظ " التعلّق" في تعريف الحكم

قالوا : الحكم هو :
(( خطاب الشارع المتعلِّق بأفعال المكلّفين من الاقتضاء أو التخيير أو الوضع ))(1)
وفيه عدا ما مرّ تناقض مع تعريف علم الأصول من حيث التعلّق وتوضيحه : أنّهم ذكروا في تعريف العلم قيد " الأحكام الشرعية " ثم عرّفوا الحكم بالخطاب والخطاب مقيّد بأفعال المكلّفين الثلاثة لإخراج غيرها من الخطابات . قال:
(( إن الحكم عند الأصوليين هو خطاب الله تعالى ولكن ليس كلّ كلام الله وإنما هو خصوص كلامه المتعلِّق بأفعال المكلّفين ))(2)
إذن فالخطاب عندهم قسمان ، قسم منه لا يتعلّق بأفعال العباد وهذا يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، بل هو محال في ذاته إذ لا خطاب للمولىعز وجل لا يتعلّق بأفعال العباد ، فلو صحّ لكان بعض الخطاب لا معنى له وحاجته منتفية لعدم ترتّب شيء من الأفعال عليه وهو ظلمٌ في حقه تعالى ولذلك فهو محال من حيث هو حكيم لا يجهل . فإذا قالوا : نريد بالأفعال تلك الخمسة : الأمر والنهي والكراهة والندب والإباحة . فسنقول : إذن فما يفكّر فيه المكلّف لن يكون من الأفعال إذا لم يترتّب عليه فعلٌ خارجيٌّ وهو ممتنع لأن الخطاب خلافه حيث قال تعالى :
] إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [
البقرة / 284
فالآية أدخلت الاعتقادات من جملة الحلال والحرام فهي من الأفعال وعلم الأصول أخرجها في التعريف بقيد " الشرعية " حيث قال أن هذا القيد هو لاخراج أصول الدِّين والاعتقادات من جملة الأحكام . ثم أخرجها فعلاً خلال التطبيق في الفقه . وكلّ ذلك يتناقض مع الخطاب من حيث هو خطاب كلّي .


المسألة ( 12 ) : في أقسام الحكم

قالوا : ينقسم الحكم في حيثياته إلى أقسام ، وتنقسم الأقسام إلى أخرى وأول أقسامه اثنان : تكلّيفي ووضعي .
أما التكليفي فهو الخمسة المذكورة آنفاً : الواجب والمحرّم والمكروه والمندوب والمباح . وأما الوضعي فما كان غير ذلك وعرّفوه:
(( بجعل الشيء سبباً أو شرطاً لآخر أو مانعاً عنه ))(3)
ومثّلوا له بجعل الوضوء شرطاً في صحّة الصلاة ، ثم اختلفوا في هذه المقدّمة ـ مقدّمة الواجب ـ فيما إذا كانت واجبة شرعاً أم لا !(4) وذلك بعد اتفاقهم على وجوبها العقليّ ! (5) ولم يحسم الجدال إلى هذا الوقت بالرغم من أنّه قد أخذ الكثير من الجهد ـ ولن يحسم ـ لأن اصل التقسيم لا علاقة له بالخطاب الكلّي للمولى عز وجل ويشتمّل على عدّة تناقضات أُبيّن أحدها في هذا الموضع وهو : إن تقسيم خطاب المولى عز وجل من حيث هو حكم إلى أقسام أظهر لهم أن أحدها هو الواجب ـ والمفروض أن المقصود به هو الوجوب الشرعي ـ فإعادة تقسيم نفس الواجب إلى شرعي وعقليّ هو خروج من تبعة الخطاب ومناقض لأصل التقسيم ، لأن الخطاب المولوي هو المراد من التعريف وليس المراد منه الوجوب العقليّ خارج الخطاب ، فالخطاب الشرعي لا يتعرّض للآراء الشخصية والتعريف هو بصدد أقسام الحكم الشرعي لا بصدد هذه الآراء التي سمّيت عندهم بـ ( اتفاق العقلاء ) . لقد دخلت الآراء الشخصية بسرعة فور حصول التقسيم وتناقض التعريف ، ولذلك فإن مبحث الأوامر التابع لمباحث الألفاظ لا يمكنه حسم النزاع حول مقدّمة الواجب مثلاً لسبب واضح هو فساد التقسيم من جهة ودخول الآراء في تفسير ألفاظ تلك الأوامر . وكلّ ذلك يؤكّد الاختلاف بين طريقة البحث الأصولي وبين طريقة المعصوم (عليه السلام) في بيان الحكم الشرعي بحيث لا ينتج من دراسته الا أن الاستدلال على الحكم الشرعي من الخطاب هو شيء لا وجود له بل الحكم الشرعي هو ذاته خطاب الشارع المؤلّف من خطاب المولى عز وجل وخطاب المعصوم (عليه السلام) ، وإن ذلك من واجبات المعصوم (عليه السلام) لا من واجبات الفقيه كما سيأتي في موضعه . وإن واجب الفقيه هو تفقّه الأحكام عنه ونقلها إلى الجاهل بالحكم بلا تغيير أو تبديل .



المسألة ( 13 ) : في تعريفٍ آخرٍ للحكم


قيل هو : (( الاعتبار الشرعي المتعلِّق بأفعال العباد من الاقتضاء أو التخيير أو الوضع ))(6) . وقيل : أن سبب وضع لفظ " الاعتبار " بدلا من الخطاب في التعريف السابق هو أن لفظ " خطاب " قد أخرج المرحلة الأوّلى من مراحل الحكم وهي مرحلة ما قبل الإنشاء والتي سمّيت بمرحلة ( الحكم الاقتضائي ) ولمّا كان بعضهم يرى أنّها من مراحل الحكم فقد أبدل الخطاب بلفظ ( الاعتبار )(7). لكني اعتقد أن السبب هو ليس هذا ، بل هو تقسيم الوجوب إلى شرعي وعقليّ . فلكي يتوصّلوا إلى إدخال الوجوب العقليّ في مفهوم الوجوب الشرعي ـ بحسب الملازمات العقليّة ـ فلا بـد لهم من التخلّص من الخطاب ولا يمكنهم ذلك الا قبل الإنشاء . والتناقض هنا على أشدّه ، إذ لا يعلم أحدٌ ماهية الاقتضاء أو التخيير أو الوضع قبل الإنشاء ، بل هو حكمٌ عقليٌّ يحاول فيه الأصولي سبق الحكم المولوي ، وهو امرٌ لا يدّعيه أيّ واحدٍ من المعصومين مطلقاً ، لأن مرحلة ( اقتضاء الحكم ) بما هو حكم لا يمكن أن تقتضي حكماً تضمنياً يجوِّز للعقل بالحكم قبل ظهوره في الخطاب وهو جوهر ما تنطوي عليه الملازمة العقليّة التي سنبطلها إنشاء الله تعالى بمختلف الوسائل . قال تعالى :
] إن الحكم ُ الا لله [
يوسف / 40



والحصر هنا واضح ، فهو لم يفوّض لأحد من الخلق إصدار الحكم مطلقاً وإنما فوّض لبعض خلقه الحكم بمقتضى حكمه هو اي بما أنزل وهو مختلف عن الفهم الأصولي بل نقيضه التام ، لأن الحكم بما أنزل هو حكمٌ بحكمهِ بينما الحديث عن الحكم قبل الإنشاء هو حديثٌ عن الحكم معه ! أو قبله ! . ومن جهة أخرى فإن الحديث عن تلك المرحلة من الحكم هو عملٌ باطلٌ وفق الخطاب الإلهي لأنه حديثٌ عمّا في نفس المولى عز وجل ، وقد أنكر عيسى (عليه السلام) أن يكون له علمٌ بالحكم في تلك المرحلة اعتذاراً للسؤال الموجّه إليه والمتعلِّق بما إذا كان قد قال للناس بأيّة صورة أن يتّخذونه وأمّه إلهين من دون الله ! فقال معتذراً كما أنبأ الله تعالى :
]ما قلت لهم الا ما أمرتني به[
المائدة / 117
أيّ أنّه لا يقول الا بعد صدور الحكم ، ثم نفى أن يكون قد فعل ما هو دون ذلك وهو إصدار حكم قبل الإنشاء أو التحدث عنه قبل صدوره حيث لا يعلم أيّ شيء عن الحكم في تلك المرحلة فقال :
] تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك [
المائدة / 116
ثم أكّد .. "أن هذا الأمر لا يقدر عليه أحد إذ لا أحد يعلم الغيوب كلّها سواك فالذي يعلمها هو أنت " :
] إنك أنت علاّم الغيوب [
المائدة / 116
وهو واضح لأن مثل هذا الحكم يستلزم إحاطة بكافّة الغيوب لمعرفة حكم واحد .



المسألة ( 14 ) : في أقسام الوجوب ــ الوجوب الكفائي

قالوا : (( وهو الوجوب المتعلِّق بكلِّ المكلّفين الاّ أنّه يسقط عنهم بامتثال البعض مثل غسل الميّت ومثل الحرف والمهن والصناعات التي يتوقّف عليها نظام المجتمّع فإن المولى يريد هذه الأعمال لما فيها من مصالح العباد ))(8) .
هذا النص يمثّل رأي الأصوليين بالوجوب الكفائي ، وعليه جرى تبرير التقليد وسقوط وجوب التفقّه عن المكلّفين لوجود بعض الفقهاء . وفي هذا النص تلبيس ، إذ يتناقض مع التعريف حيث أخرج المهن والعلم بالصناعات بل وبكلِّ العلوم الأخرى بقيد " الشرعية " كما رأيته من قبل مصرِّحاً وشارحاً للقيد ، ثم رجع فجعل المهن والصناعات من جملة الوجوب الكفائي ! والذي هو ثاني أقسام الوجوب ، فعل ذلك هناك ـ حيث أخرجها بالقيد ـ خلاصاً من القسم الأكبر من الخطاب . وقد تحقق عملياً بتركهم العقائد والزعم بأنّها مما لا يجوز التقليد فيه . فلما وصل إلى الوجوب الكفائي تذكّر أن أفضل ما يمثّلون له هو اشتغال البعض بالاجتهاد ، فيسقط التفقّه عن الآخرين بالتقليد ، فأراد تبرير هذا العمل موحياً للمكلّف أن المهن والصناعات من أقسام الوجوب الشرعي وأنّها من جملة الأحكام ذاهلاً عن إخراجها من التعريف قبل ذلك بقيد ( الشرعية ) ! ثمّ ادّعى أن المولى عز وجل يريد هذه الأعمال ، فأين وجد المولى يريدها ؟ إذ يحتاج إلى دليل لاثباته ، والخطاب الكلّي خلافه كما رأيت في آية حصر الغاية من الخلق بالعبادة وعدم أرادته أن يبحثوا عن الرزق والطعام بل حصَرَ الرزق الفعلي به مشيراً إلى أن هذه الأعمال ما هي الا فتنة . قال تعالى :
] ما خلقت الجنّ والأنس الا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرّزاق ذو القوة المتيـن[
الذاريات / 56 ــ 58
فهو تعالى لا يريد لهم أن يعملوا أصلاً هذه الأعمال ، وليس من شيء أدلّ عليه من إسكان آدم ( (عليه السلام) ) وزوجه الجنة ، ومعلوم أنّها جنةٌ أرضية كما أثبتناه في كتبٍ لنا أخرى ، وكما ورد عنهم ((عليه السلام)) حيث قال الصادق ( (عليه السلام) ) :
( لو كانت من جنّات السماء لما أُخرِج منها )(9)
وفي قولٍ آخرٍ له (عليه السلام) أنّها في الأرض بدليل قوله تعالى :
] إني جاعلٌ في الأرض خليفة [
البقرة / 33
وإنما فرض على المؤمن العمل والكدّ للعيش بسبب وجود الكفرة والمارقين عن الدِّين فانقطعت الأرزاق لظهور الفساد في البرّ والبحر وأُضطر إلى كسب عيشه بيده ، وألا فقانون الاستخلاف الأصلي : أن يأكلّ المؤمن رغداً ولا عمل له سوى عمله الأصلي وهو عبادة الله تعالى وتسبيحه والتفكّر في ملكوته والترقّي في الخضوع والإنابة من خلال المعرفة.
فإذا قالوا : إن هذا الوجوب هو في قوله تعالى :
] فإذا قضيت الصلاة فانتشروا [
الجمعة / 10
فالجواب : إن هذا عندهم من أقسام التخيير لا الوجوب . فقد جيء بالآية مثلاً على التخيير وقالوا : يفيد جواز البقاء أو الانتشار دون ترجيح لأحدهما على الآخر ــ أو كما قال : جواز التفرّق أو البقاء مجتمعين(10). فإن قالوا : هو في قوله تعالى :
]فامشوا في مناكبها وكلّوا من رزقه[
الملك / 15
فهو مثله في الجواب عنه . على أن الخطاب القرآني واضح في مخالفته لهذا الزعم من خلال وصفه المستمر للحياة الدنيا على أنّها لهوٌ ولعبٌ في موارد للذّم معلومة لكلّ قارئ للقرآن الكريم .
والحقّ أن هذه الأعمال والحرف وزينة الحياة مدفوعٌ إليها الإنسان بالطبع من جهة وبالطمع من جهة أخرى وهي فتنة للإنسان ، والشارع المقدس إنما أراد كبح جماحها وإفهام المكلّف بأن حياة الاستخلاف هي خيرٌ منها ، فهي حياة دنيّة أو دنيا أيّ واطئة ومن السيئ أن يختارها على الحياة التي أرادها له الباري عز وجل فيما لو أطاع ولاة أمره ونفّذ قانون الشريعة ، وهذا ما بدا واضحاً في العديد من النصوص كما في آية الزينة وآية الشهوات حيث قال تعالى :
]زُين للناس حبِّ الشهوات من النساء والبنيـن والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب [
آل عمران / 14
ولذلك فإنه تعالى لم يأمر بها بعد إن تكفّل بنزول الأرزاق إذا اتّقاه أهل القرى وأقاموا ما أُنزل إليهم من ربّهم .
فإن قالوا هو في بعض نصوص الأئمة عليهم السلام التي تتحدّث عن ثواب الرجل الذي يكسب لعائلته ، فالجواب : إن هذه النصوص لا تخالف النص القرآني بل جارية فيه من حيث أنّها تطمئن المؤمن على بقاء ثوابه وثبوت أجره لأنه مضطرٌ لهذا العمل في مرحلة الابتلاء فهو في بلاء وفي قلق دائم إذ يجد في الكــدّ والعمل شاغلاً له عن العبادة وذكر الله قبل مجيء الأمر وظهور دولة الحقّ فهي موضوعة لهذه الغاية ، ولو دققت النظر فيها لوجدتها تفيد ذلك ولا يُفهم منها أن تلك الأعمال من أصل التكلّيف الشرعي. بل أوصى الشارع أن يقتصر منها على ما يؤمّن عيشه وبلوغه الآخرة مؤكّداً على أن أبواب الرزق في يده تعالى . ولذلك فإن مفهومنا هذا هو الوحيد الذي يجمع النصوص التي تحثّ على الزهد والنصوص التي تؤكّد على وجود ثواب على الكسب خلافاً لهم ، فإنهم يقولون ما يشاءون لاستبعادهم الخطاب القرآني الكلّي واعتمادهم الحكم العقليّ في أكثر المسائل العقائدية خلافاً للشرع .



المسألة ( 15 ) : في الوجوب التوصّلي

قالوا : إن الوجوب التوصّلي :
(( هو الوجوب المتعلِّق بفعل يصحّ الإتيان به ولو بدون نية القربة إلى الله تعالى مثل تطهير الثياب والأواني وجميع الحرف والصناعات . فالذمّة تبرأ من التكلّيف وإن لم ينو بها قربة إلى الله ))(11)
أقول : دقّق في التعريف والشرح لتلاحظ التناقض العجيب فهو يزعم من جهة أن هذا ( وجوب ) ومن جهة أنّه ( يصحّ ) بلا نيّة ومن جهة تبرأ الذمّة به وإن لم ينو بها ! . فلا نعلم ما الوجه في براءة الذمّة مع عدم النيّة ؟ إذ المفهوم من براءة الذمّة هو الاطمئنان إلى رضا المولى عز وجل عن المكلّف بوجهٍ ما ولو على قواعدهم ، وهو محال في ذاته بلا نيّة إذ لا معنى له ، فالاطمئنان يأتي من شعور المكلّف أنّه جاء بالواجب على الصورة التي يرضي بها المولى عز وجل فكيف يكون بلا نيّة ؟ وكيف يبقى الوجوب وجوباً بدونها ؟ وما معنى أن تبرأ ذمّته وهو بلا نية ؟ . الظاهر أن المقصود هو أن المكلّف لا يُشترط عليه أن ينوي فعل الواجب وإن كان واجباً مثل غسل الثياب قربة إلى الله تعالى ولكن إذا فعل تبرأ ذمّته ! وهذا تناقض . إذ معناه أن الكافر تبرأ ذمّته من تكليف غسل الثياب وإن كان بلا نيّة ! فلا يمكننا أن نقول ببراءة ذمّته من تكليف الخطاب لأنه لم يغسلها امتثالا للخطاب ، فذمّته إذن باقية غير مبرّأة .
ويحتمّل أن الوهم جاءهم من جهة عدم نطق أو تذكّر المؤمن للنيّة في أمثال هذه الواجبات ، فصاغوا تعريفاً متناقضاً عليه وهو وهمٌ لأن نيّة المؤمن لازمةٌ له من حيث هو مؤمن كمن نوى أن يصوم شهر رمضان كلّه من أول يوم ، فكذلك المؤمن نيّته لازمة له بتطهير ثيابه مدى الحياة امتثالا للشارع فلا يجب عليه إعادة ذكرها كلّ حين ، بل الحقّ أن كلّ مؤمن يتذكّر حين تطهير ثيابه أن هذا العمل هو رضىً للشارع وامتثالٌ للأمر ، فلا أدري كيف يُصاغ تعريفٌ كهذا والنبي(صلى الله عليه واله و سلم ) يربط بين العمل والنيّة دوماً حيث قال :
( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكلّ إمرئ ما نوى ) .
والتعريف يقول : يُكتب له العمل وتبرأ ذمّته وإن لم يكن ناوياً !! .



المسألة ( 16 ) : في تعريف الكراهة


قالوا : (( هي ردع الشارع للمكلّف عن الإتيان بالفعل مع ترخيصه الإتيان به ))(12).
التناقض واضح في هذا التعريف ، فهناك فعل يردع الشارع عن الإتيان به وفي نفس الوقت يرخّص الإتيان به ! . ولو قلت هذا الكلام لأيّ إنسان صاحب عملٍ لغضب عليك ــ حاشاك ــ واتّهمك بأنك لا تحترمه الاحترام اللازم ولقال لك : وهل أنا جاهل لهذا الحد فأردع عن الفعل وأُرخّص به ؟
إن مفاهيم الكراهة والندب والإباحة عندهم ملتبسة جدّاً بسبب إخراج العقائد ومجمل الخطابات من التعاريف ولا يمكنهم صياغة تعاريف لها غير متناقضة في ذاتها لأن المفاهيم عنها مغايرة لما في الخطاب أصلاً.

المسألة ( 17 ) : في لوازم الكراهة
قيل : يلزم منه أن تاركه يُثاب ويُمدح امتثالا لنهي الله ، وفاعله لا يستوجب الإثم(13) .
أقول : هذا متناقض ، فإن الأصولي لا يستطيع الإجابة على السؤال : لماذا لا يستوجب الإثم كما أوضح سبب الثواب من حيث أنّه امتثال لنهي الله ؟ فالفاعل ــ فاعل الكراهة ــ إمّا لم يمتثل لنهي الله فيستوجب الإثم خلافاً لما قال ، أو مرخّص له بالفعل وإذن فالفعل غير منهيٍّ عنه أصلاً ! .
وعلى العموم يسقط التعريف واللوازم بعضها بعضاً ، وهذا يعني أنّها من كلامهم ولا علاقة لها بما قرّره الشارع .
إن مفهوم الرخصة هو السماح للمكلّف بإتيان الفعل مع عدم توجّب الذّم والعقاب فيما إذا كان منهيّاً عنه في حالٍ من الأحوال أو شرطٍ معيّنٍ يتحقّق في موضوعه ، أو عكسه الإذن له بعدم إتيان الفعل مع أنّه مأمورٌ به بشرط عدم حرمانه من الثواب وبشرطٍ معيّنٍ يتحقّق في موضوعه . وقد اغفل التعريف هذه العناصر وأدخل الترخيص في تعريف الكراهة مع الردع . وقد قال الأئمة عليهم السلام :
( إن الله يُحب أن تُؤتى رُخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه )
وإذا جاء المكلّف بما أحبّه الله فقد استوجب الثواب ، ولا أقلّ من أن لا يُحرم منه إن لم يستوجبه كما في رُخص الخلق إذ المفهوم منها إعطاءه رخصة مع عدم حرمانه من الأجر ــ وملزوم الكراهة خلافه حيث ادّعى أنّه لا يستوجب الإثم ــ ومعناه أنّه محروم من الأجر . وقد يكون الالتباس في المصطلح فقط كما هو ظاهر إذ لا يقصدون بالرخصة ما في نصوص أهل البيت عليهم السلام وعلى ذلك يتوجّب عليهم صياغة التعاريف واللوازم بما يطابق النصوص لغةً ومفهوماً كي لا يلبسوا على الناس دينهم ويصبح خطاب الشارع في واد وخطابهم في وادٍ آخرٍ .



المسألة ( 18 ) : في تعريف الإباحة

قالوا : (( هي تخيير الشارع للمكلّفين بين إتيان فعلٍ وتركه دون ترجيح لأحدهما من قبله على الآخر ))(14)
أقول : لا يمكن أن يُنسب تخيير كهذا إلى الشارع لأن المرجّحات متضمّنة في الخطاب الكلّي تضمنّاً يقدّره المكلّف ، فالترك والقيام بالفعل مشروطان بشروطهما من حقوق أو واجبات كما في حقوق أعضاء البدن وغيرها في رسالة الحقّوق للإمام السجّاد زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) أو حقوق الخَلق من الحيوان والنبات والمياه والجماد كما في حديث الأربعمائة وصية لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) التي أوصى بها أمير المؤمنين (عليه السلام) وجملة وصاياه الأخرى لأبي ذرّ وسلمان الفارسي رضي الله عنه ، ولكن لمّا كان الكثير منها فيها متغيّرات لا تُحصى فقد أوكلّ ترجيح الأفعال أو تركها إلى المكلّف ضمن الخطاب العام وليست كما قال أنّها بلا مرجّح ، إذ يُفهم من قوله غياب الترجيح مطلقاً. والأولى أن يقال في التعريف (( هو تخيير المكلّف بين إتيان الفعل وتركه بترجيح أحدهما في موضوعه وحينه بما يؤدّي إلى حصول الثواب وبراءة الذمّة وفق القواعد العامّة للخطاب الشرعي )) . لكنهم كما علمت استبعدوا القواعد العامّة في العقائد مثلما استبعدوا قواعد السلوك بالقيود المار ذكرها في تعريف علم الفقه . ومعلوم أن الإباحة وما يتعلّق بها مرتبط بنظام الأخلاق في الإسلام وهو دوماً خاضعٌ للمرجّحات وألا كيف يُعجب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) مثلاً من شأن المؤمن حينما يكون ( نومه عبادة ) بينما النوم عندهم من المباحات ، وملزومه عندهم أن لا عقاب ولا ثواب عليه ؟ ! وهذا من أعجب الأمور التي حرموا فيها المكلّف من ثواب الله عز وجل بتقسيمات من عندهم لم ينزِّل بها من سلطان كما في المسألة الآتية . نعم في تعريفنا الآنف الذكر يستلزم من المكلّف التعرّف على الخطاب الكلّي وتحصيل الأصول العملية بأيّة صورة وهم يقولون له : لا ! لا تفعل لأنك عامي ولا تقدر ! . فلماذا أمره الشارع إذن بتلاوة القرآن ؟ أم يحسبون أننا نصدِّق أن التلاوة هي لمجرّد اللهو ولا علاقة لها بأفعال المكلّف ؟



المسألة ( 19 ) : في ملزوم المباح

قالوا : (( ويلزم على الإباحة عدم ترتّب الثواب والمدح على الفعل وعدم العقاب والذّم على الترك ))(15) .
وهذه اللوازم باطلة شرعاً إذ يخالفها مئات النصوص المعلومة من ترتّب الثواب أو الحرمان منه لكثير مما هو عندهم من باب المباح ، وإنما أوقعهم في ذلك ما رأيته في أول مسائل التعريف من قيد التعلّق بأفعال المكلّفين بخصوص الخطاب حيث جعلوا أكثر الخطاب لا يتعلّق بأفعال المكلّفين وهو محال لأن كلّ خطاب شرعي وارد له تعلّق ما بفعل ما من أفعال المكلّفين ، وألا فلا يكون له معنى والشارع منزّهٌ عنه . ومعلومٌ أنك لو نمت القيلولة لا لأيّ سببٍ لاحقٍ مثل عيادة مريض أو زيارة إمام (عليه السلام) أو أخ مؤمنٍ أو للقيامِ بحقٍ ما بعد النوم ، بل لا غاية فيه الا الراحة ، فإنه يترتّب عليه ثواب لأنك أعطيت لبدنك حقاً كما ورد عنهم عليهم السلام في حقوق البدن وعند توديع البدن للروح عند الموت حيث يذكر كلّ منهما لصاحبه ما أعطاه من حقٍّ وما منعه . وهذا المثال يصحُّ لجميع المباحات الأخرى من حيث أنّها تنطوي على مدح وذمّ وثواب وعقاب ، بل ورد في المأثور أن فعلاً منها أنقذ عابدا من النار ، وهو من المباحات لأن الموضوع متعلِّق بالأخلاق وقد قال الصادق (عليه السلام) :
( ما عبد الله بشيءٍ مثل حُسن الخلق )



المسألة ( 20 ) : في أقسام الحكم الوضعي

قسّموه إلى ثلاثة أقسام ، وبعضهم قسّمه إلى تسعة أقسام . وعند النظر إليها نرى أن الجامع لها هو وجود طرفين في الحكم بحيث أن صورة الترابط بين الطرفين هي التي تجعلهم يُفرِّعون عليه قسماً جديداً أو يضمّون الأقسام إلى بعضها البعض ، وهذا الباب مضطرب جداً وفيه من الإعتباط ما لا مزيد عليه ، إذ وجدوا أن العلاقة بين الطرفين قد تكون سببية مثل الجنون سبب للحجر أو شرطية كالوضوء شرط لصحّة الصلاة أو مانعية كالنفاس مانع من الصلاة أو علاماتية كرؤية الهلال علامة على ثبوت العيد أو علِّية كنصاب الزكاة علّة لثبوت وجوبها أو الصحّة مثل شرائط الإيقاعات أو الفساد مثل العمرة بلا طواف.
بيد أن هذه الأقسام مختلطة فيمكن القول مثلاً :
إن الجنون سبب للحجر كما قال بعضهم .
أو الجنون علامة على ثبوت الحجر كما قال آخرون .
أو الجنون شرط لإيقاع الحجر .
أو الجنون علّة لإيقاع الحجر !
ومعنى ذلك أن الحالة الواحدة يمكن أن تدخل من أكثر من باب وأكثر من قسم ، وهذا يمثّل إحدى مشاكلّ الفقه ، فكلّ فقيه يدخل المسألة من قسم معيّن وجراء ذلك تحصل إزاحة في الحكم واختلاف ثم تأتي الأدلة وهي الأخرى موزّعة على أبواب وأقسام فيكون الاختلاف أمراً لا مفرّ منه ، وإذا حدث اتّفاق فهو إنما بفضل الله عز وجل وعنايته بالعباد ولطفه ، إذ أوصل لهم نصوصاً كثيرةً عصيّةً على التبديل والتأويل ولولاها لما بقي من الأحكام شيء . وما ذلك الا بسبب عشوائية التقسيم وعدم وجود ضوابط مأخوذة من مجموع الخطاب ، وتلك الأقسام ما هي الا أقسام ابتكرها الأوائل وما زال كلّ جيلٍ يزيد ويفرّع عليها حتى تشابكت واختلطت وأصبح إدخال المسألة في بابها الفعلي أشبه بالأحجية على الأصولي فضلاً عن المبتدئ في الفقاهة فضلاً عن طالب العلم . وقد ظهر ذلك من خلال شكوى الأصوليين أنفسهم من توسّع تلك الأبحاث وظهور أبحاث بلا موضوع ولا يمكن تطبيقها على مسألة ما ، بل أكثرها مسائل افترضوها وأعجبهم التوسّع فيها ممّا أدّى إلى قيام بعضهم بمحاولات لتهذيب الأصول ! وبالجملة فإن الأصول وُضعت لا لفهم التشريع والعلم بالأحكام بل لوضع الأحكام ، إذ أنّها موضوعة أصلاً لخدمة نظرية تقول بعدم وجود حجّة لله في الأرض في كلّ زمان ، ممّا يستلزم ظهور قيادة شرعية تبتّ بالأحكام الإلهية . وهذه النظرية متناقضة وتناقضها فاضح لأنها إذ أنكرت وجود من يبيّن الأحكام وضرورته فإنها قالت من جهةٍ أخرى أن الأحكام غير بيّنة بنفسها وتحتاج لمن يبيّنها للمكلّفين . فالنظرية في الواقع لم تحاول الا استبدال قيادة دينية بقيادة دينية أخرى ، والفارق بين القيادتين هو أن الأوّلى معيّنة من اللهعز وجل والرسول (صلى الله عليه واله و سلم ) بنفس الحكم الشرعي ، والأخرى معيّنة من قبل الخَلق بحكم عقليّ . فالأخذ بالأصول عند قومٍ يؤمنون بوجود الحجّة هو من أغرب محاولات الجمع بين المتناقضات ، فلم يكفهم تناقض التأسيس حتى نقلوه إلى الرافضين لهذا التأسيس . ومن هنا لا بـد من مناقشة المباني التي قامت عليها هذه العملية بكاملها ــ أعني المستقلاّت العقليّة ومباحث الحجّة ــ ليلاحظ القارئ مدى افتراقها واختلافها مع الكتاب والسنّة وهوما يأتي في المبحث اللاحق .





هذا البحث القيم مقتبس من كتاب المبحث الاصولي للمرحوم عالم سبيط النيلي



الهوامش

(1) سلّم الوصول إلى علم الأصول / 32 .
(2) مفتاح الوصول إلى علم الأصول / ج 1 / 24 .
(3) مفتاح الوصول / ج 1 / 39 .
(4) المصدر السابق / 292 .
(5) مفتاح الوصول / 292
(6) مفتاح الوصول / ج 1 / 36 .
(7) المصدر السابق / ج 1 / 36 .
(8) مفتاح الوصول / ج 1 / 24 .
(9) البرهان / ج 8 .
(10) مفتاح الوصول / ج 1 / 33 .
(11) مفتاح الوصول /ج 1 / 47 .
(12) مفتاح الوصول إلى علم الأصول / ج 1 / 53 .
(13) نفس المصدر السابق .
(14) الأصول العام للفقه المقارن / محمد تقي الحكيم / 65 .
(15) مفتاح الوصول / ج 1 / 54 .







الكاتب: خادم المهدي 

0 التعليقات:

إرسال تعليق